الشيخ حسين المظاهري

133

فقه الولاية والحكومة الإسلامية

ولو أردت تطبيق الكلام على ما نحن فيه نقول : إنّ مادّة « ولي » - ومن مشتقّاتها الولاء والولاية - وُضعت لمعنى عامٍّ هو الحكم والسلطة ؛ ومن مصاديقه القرب من غير فصلٍ - كما إذا جلس رجلان من غير فصلٍ بينهما - ؛ ومنها المحبّة والوداد - كما في الحنوّ الواقع بين الأمّ وولدها ولو كانت بينهما المئات من الفراسخ ، وهي الناشئة من حكومة الولد على قلب الوالدة وضميرها - ؛ وهذا من استعمال العامّ في الخاصّ ، أي : استعمال معنى عامٍّ في مصداقٍ خاصٍّ جزئيٍّ . وعليه فلامجاز في اللغة أصلًا . فتلخّص ممّا قلنا انّ الظاهر انّ مادّة « ولي » وُضعت للإشارة إلى معنى كلّيٍّ هو الحكم والسلطة ، وأمّا غيره من المعاني الّتي ذكروها كمعاني المادّة المجازيّة فهي مصاديقه وموارد استعماله . هذا من الوجهة اللغويّة ؛ الوجهة القرآنيّة : فانّ المادّة وما اشتقّ منها استعمل في هذا الكتاب الكريم ما يناهز مأتين وثلاثين مورداً ؛ وجميع تلك الموارد يشير إلى ما ذكرنا من معناها العامّ الموضوع له . وما ربّما يتراءى في بادىء النظر من المعاني يجب إرجاعه إليه وجعله من مصاديقه . ومن أشهرها قوله - تعالى - : « وَالْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ » « 1 » ؛ فانّ الولاية الواقعة بينهم الّتي جعلت بعضهم « أَولِيَاءُ بَعْضٍ » قد فُسّرت بالمحبّة والتودّد ، أي : انّهم بما بينهم من المحبّة والوداد يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وينهى بعضهم بعضاً عن المنكر . هذا هو المشهور من مذهب المفسّرين « 2 » . وقد مضى منّا انّ المحبّة من مصاديق الحكم ، فالسلطة الّتي أنشأها اللّه - سبحانه و

--> ( 1 ) . كريمة 71 التوبة . ( 2 ) . وانظر : « التفسيرالكبير » ج 16 ص 131 ؛ « تفسير القرطبيّ » ج 8 ص 203 .